محمد متولي الشعراوي

745

تفسير الشعراوي

عندما يقول : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ » ، ثم يقول في الآية التي بعدها : « وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ » ، فهو سبحانه قد جاء ب « لكم » ، و « عليكم » . « عليكم » للقاتل ، و « لكم » لولى المقتول . فالتشريع عادل لأنه لم يأت لأحد على حساب أحد ، والعقود دائما تراعى مصلحة الطرفين . « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ » . من هو الحر ؟ الحر ضد العبد وهو غير مملوك الرقبة ، والحر من كل شئ هو أكرم ما فيه ، ويقال : حر المال يعنى أكرم ما في المال . و « الحر » في الإنسان هو من لا يحكم رقبته أحد . و « الحر » من البقول هو ما يؤكل غير ناضج ، أي غير مطبوخ على النار ، كالفستق واللوز . والحق سبحانه يقول : « الْحُرُّ بِالْحُرِّ » ، وظاهر النص أن الحر لا يقتل بالعبد ، لأنه سبحانه يقول : « الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى » ، لكن ماذا يحدث لو أن عبدا قتل حرا ، أو قتلت امرأة رجلا ؛ هل نقتلهما أم لا ؟ إن الحق يضع لمسألة الثأر الضوابط ، وهو سبحانه لم يشرّع أن الحر لا يقتل الا بالحر ، وإنما مقصد الآية أن الحر يقتل إن قتل حرا ، والعبد يقتل إن قتل عبدا ، والأنثى مقابل الأنثى ، هذا هو إتمام المعادلة ، فجزاء القاتل من جنس ما قتل ، لا أن يتعداه القتل إلى من هو أفضل منه . إن الحق سبحانه وتعالى يواجه بذلك التشريع في القصاص قضية كانت قائمة بين القبائل ، حيث كان هناك قتل للانتقام والثأر . ففي الزمن الجاهلي كانت إذا نشأت معركة بين قبيلتين ، فمن الطبيعي أن يوجد قتلى وضحايا لهذا الاقتتال ، فإذا قتل عبد من قبيلة أصرت القبيلة التي تملك هذا العبد أن تصعّد الثأر فتأخذ به حرا ، وكذلك إذا قتلت في تلك الحرب أنثى ، فإن قبيلتها تصعد الثأر فتأخذ بها ذكرا . والحق سبحانه وتعالى أراد أن يحسم قضية الثأر حسما تدريجيا ، لذلك جاء بهذا